لقد ارتبطت الموسيقى والشعر دوما، بالمغرب الصحراوي، برباط وثيق. في الصحراء لا تنظم حفلات موسيقية، ولكن يتم التجمع تحت الخيمة في أمسيات شعرية غنائية.
تفنن التعبير الموسيقي يستمد سبب وجوده من الشعر والعكس بالعكس، الإبداع الشعري في حاجة إلى الموسيقى لكي يتفتح. تستند القصيدة الحسانية، حتى عند إنشاءها إلى الموسيقى وإلى معايير نظام صيغها.

الهول

للحديث عن الموسيقى التقليدية الحسانية بمعناها الواسع، يتم استعمال مصطلح «هول» الذي لايعرف كثيرا أصله الإشتقاقي، فهل يتعلق الأمر بالاحالة على مفاهيم الخطر والجدية? هناك بالفعل في الثقافة الحسانية معنى التبجيل الذي عندما يجتمع مع التسلية، يستدعي حضور الدْهن وملكة السماع، وبالكاد تقطع بالتعابير عن الفرح وكلمات التشجيع الموجهة إلى الشعراء. الموسيقى الحسانية باحترامها لمعايير متعددة، تستمد دقتها الرفيعة من علاقتها المباشرة بالمعنى الشعري. تتأكد هذه الدقة بالعناية التي يحيط بها الموسيقيون تفرد اللعب الشفهي وتفاصيل تقنية الآلات الموسيقية.

رسم بياني مأخوذ من كتاب “أزوان”

يتكون الهول في آن معا من الشعر المٌنشد (لَغْناَ) ومن الموسيقى الآلية(أزوان)، ميدانين متمايزان ومتكامل في وقت واحد، مسعينان كل منابع الابداع الشعري - الموسيقي البيظاني في مفهوم لغنا، الشعر المٌنشد تحيل بطريقة غير مباشرة على الموسيقى أهم مصطلح أزوان يستعمل اليوم أكثر فأكثر سواء بالنسبة للموسيقى الحسانية أو بالنسبة للموسيقى الأمازيغية.
أما الرقص فيرتبط جزئيا بالهول، ولكن بإمكان أيضا أن يمارس بطريقة مستقلة.

فرض الهول، وهو الوفي لتقاليد أمراء الصحراء، حضور الشاعر (المغنِّي)، المطربين الصاربين على الآلات (إكَاون) وجمهور مدعو في الغالب مسبقا، يتمسك كل واحد منهم بالدور الذي تمنحه له التقاليد والمرتبة الإجتماعية.

يمتلك الهول فضائل تربوية وإجتماعية. إنه يساهم في الرقي بالذوق، تشر القيم التقليدية للمجتمع. إنه يقيم درسا في الاستماع كما يمكنه أن يحمل موضوعا دينيا أو تأديبيا. إنه يشكل بذلك إطار عاما للثقافة الحسانية.
 

حفل بيظاني في سنوات الثلاثينات من القرن الماضي
حسب أودية دي بويغودو وماريون سينون « ذاكرة البيضان،  1960-1934»

إكاون

الموسيقى والغناء يٌنقلان ويمارسان من طرف إكاون، الفاعلون الرىسيون في الموسيقى الحسانية، الموسيقى التي تسمى أيضا ازوان، هي المكمل والامتداد المنطقي للشعر، إذن هم موسيقيون «محترفون» يؤلفون وينشدون القصائد، يغنون، يضربون على الآلات وغالبا ما يعرفون أيضا الرقص. لقد    تاريخيا المرافقون الضروريون للطبقة النبلاء المحاربين أو العلماء، يقومون لديها بدور المادحين والمسلين. كما أن سائر طبقات المجتمع تحتفظ لها بالإحترام. اكاون، ذوي الأصول الإجتماعية والعرقية المتنوعة، كونوا تدريجيا طبقة متلاحمة في المجتمع البيضاني التقليدي، ونتج عن ذلك إحاطتهم لأسرارهم الفنية بالكتمان، متوارثين لها أباً عن جد.  

إگاون، رسم ماريون سينون

الآلات الموسيقية

يستعمل الموسيقيون عدة آلات تقليدية، أضيفت لها مجموعة من الآلات الحديثة، في أيامنا هذه، فاندمجت بالكامل في الثقافة الحسانيةلفهم الموسيقى الحسانية، لابد من معرفة العزف على الآلات التقليدية التي يمكن اعتبارها، على بعض المستويات، مكملا أو محاكاة للتقنية الصوتية : فهذان السجلان غير قابلان للفصل بينهما ساهمان في تحديد جو الصياغة المطلوب للتأكيد على معنى المحمول الشعري.

تِدينيت

تدينيت آلة العود ذات أربعة أوتار. يصنع الهيكل من طرف الصانع التقليدي من قطعة خشبية وحيدة ذات شكل مستطيل. مشد التناغم هو جلد ثور مثبت على الهيكل بواسطة سيور جلدية أو مسامير نحاسية. عصاها هي قطعة خشبية طويلة أسطوانية، في آخرها قضبان صغيرة. تشمل الآلة أربعة أوتار: إثنان طويلان مشدودان ينقران عند العزف، إثنان قصيران يرنلن باستمرار على فراغ (يسميان الوثر المؤنسان)

رسم تخطيطي للتدينيت
عن ميشيل غينيار

آردين  : القيثارة الحسانية

هذه الآلة التقليدية ذات الأوتار المكونة من هيكل خشبي أم من كرنيب (لغشاش) نصف أسطواني مغلف بجلد بقري، له عصا خشبية، هي أداة موسيقية خاصة بالنساء. تتدلى منها جلاجل معدنية سبب مرويرا مميزا. الأوتار مشدودة على مستوى شبه عمودي بالنسبة لمشد التناغم، ومعقودة بين القطعة الخشبية الأفقية المرتبطة بالمشد وبالعصا خالقة معها زاوية منفرجة ذات 120 درجة تقريبا.

 

رسم تخطيطي آردين
عن ميشيل غينيار

آلات موسيقية أخرى

هناك آلات أخرى تساهم إما في منح نطاق نغمي للأغنية (النيفارة، الناي ذي الخمسة ثقوب، الزوزاية الناي المنحني المستعمل في ميدان الرعي، الرباب) أو تعزيز قوة النغم.

آلات المقروعة

يجري حاليا تعميم إستخدام الطبل كأداة مقروعة إنه يٌضرب باليدين العاريتين ممكنا من عزف الإيقاع الأساسي، سواء يضيف إليه تنويعات أو ترديدا إيقاعيا في الرقصات والقصائد الملحمية.
تستطيع تکيواتن أن تقرعن الطبل وهن يرقصن جالسات، كما في هذه الترنيمة الذائعة الصيت، والتي تحاكي نداء الصلاة.

موسيقيون بالنيفارة بموسم طانطان في المقاطع المحددة المعزوفة من طرف تكواتن ينبغي أن يكون الإيقاع الأساسي مسموعا باستمرار ولكن من الممكن أن يكون مصحوبا  بطبقات إيقاعية
 

يمكن لأي شيء رنان لأن يستخدم في تجسيد الإيقاع :
الدست، الصفيحة، كؤوس الشايوحتى صندوق أعود الثقاب كذلك مشدات الآلات الموسيقية ذات الأوثار (آردين وآحيانا تدينيت) من الممكن أن تستخدم هي أيضا لفائدة الإيقاع
 

آزوان الموسيقى المقامية

أزوان، الموسيقى الحسانية هي موسيقى مقامية. نظامها قديم يتبع الموسيقيون متتالية جبرية بأربع مقامات - كَر، فاغو، سنيمة ولبتَيت - وكذلك مخطط مقامي صارم يبدأ بمقام كر وينتهي ببتيت . يمكن هذا المخطط المقامي المقنن المستمعين المتنبهين عند بلوغ منتصف الأمسية الشعرية الموسيقية، من المسايرة وهم يعلمون تماما الشطر الذي تم بلوغمن الحفل، يمكن لهذه المتتالية ذات المراحل الأربعة أن تُختصر أو تٌمدد حسب عدد الأغاني والفواصل التي يقرر االشعراء والموسيقيون إدخالها. والحال أنه من غير المعقول قلب نظام الإنتقال بين المقامات. كل مقام مقسم إلى مقامات فرعية ناتجة عن طريقتين مستعارتين (لكحال) أو (لبياض).

يخص المعيار الموسيقي الصارم المذكور للأمسيات الشعرية الموسيقية التقليدية. يعبر الموسيقيون الجدد والمغنيات الكثير من التنويعات الحرة التي تدل على حجم تأثيرات الموسيقى المعاصرة.

الرقصات

الرقصات بالمغرب الصحراوي، بمختلف أشكالها الذكورية والأنثوية، محصورة في عدد محدد من الحركات: ليس هناك حركات عنيفة أو خليعة لا قفزات ، لا هز للبطون، لا توارك و في المقابل يشدد على إيحاءات حركة الذراعين، اليدين والأصابع، الحركات المشهدية والمضبوطة.
يمتلك الكثير من الرقصات الجماعية بالمغرب الصحراوي طابعا حكائيا، مشتمل على قيم تربوية مثل اتويزة (العمل المتضامن الجماعي)، ولكن أيضا الحركات اليومية.يؤول الرقص إلى رقصات منفردة أوثنائية، متواجه في هذه الأخيرة تعابير معتدلة عن القوة أو المشاعر في استحضار بعشاق الرقصات بأخرى المرتبطة بالإحتفال الشعبي بالمناسبات والأْراس وهي أكثر عفوية وتحدث فرحا جماعيا كبيرا.

الكدرة

الكدرة هي بالتأكيد الرقصة الأكثر شهرة بالمغرب الصحراوي، مؤثرة بصوت النقر الذي يخرق الصمت الليلي معلنا عن سهرة ساخنة ومضيافة.
تنفذ الرقصة من طرف نساء عديداتوواللواتي يقمن بها في الغالب منفردات، الواحدة تلوى الأخرى. يحيط الرجال بالراقصة التي تدخل إلى الدائرة، الكور، متقدمة على ركبتيها، شبه محجبة تاركة يديها المزينتين بالحناء ظاهرتين.
يختص النكار بالنقر (على الكدرة أو الطبلة الحاملة الإسم ذاته). أو الذي يطبع الرقصة ذات السم نفسه. النقر الناتج عن القرع هو في تبض الواقع الفيزيائي المحيط، سير الإبل مثلا الإيقاع الأول بطيئ، مشابه لضربات القلب الإنساني. الفرقة المحيطة بالراقصة تواكب الكدرة بالتصفيف. تحرك الراقصة ملحفتها، وكذلك حليها في لعبة النبانين بين الحجاب والسفور، إلى أن تنزع عليها الحجاب كاشفة عن وجهها . تشتد سرعة الإيقاع مع تسارع الأنفاس الراقصة.
وقد شجعها الحماس الذي شمل الجمهور أيضا. فتدفع الراقصة بكل طاقتها فيز أداء الطقس حتى النهاية.